المعرض والحرب

يناير 3, 2024

تكتب ديانا شلوفة رزق، أمينة جاليري الفنون في الواحة:

في شهر أكتوبر، كنتُ بصدد إعادة الأعمال الفنية إلى أصحابها. كان معرض “نحنُ وَهُم” مؤثّرا وعميقًا، وذلك، فإنّ ضرورة التواجد بالقرب من ملجأة يقي من الغارات الجويّة كانت مصحوبة بصعوبة عاطفيّة. كان عليّ أن أبدأ رحلة تعلم واستكشاف لاختيار الأعمال الجديدة للمعرض القادم.

فجأة، ألمَّ بنا حدثٌ صادم – حدثٌ جلل من ضمن سلسلة الأحداث الحاصلة في الصراع السياسي الذي نعيشه. ازدادت حدّة الأمور، ولم نكن قادرين بعد على العودة إلى الحياة الطبيعية.

مرّت بضعة أشهر على ذاك اليوم، لكنها تبدو وكأنها سنوات طويلة، وما زلت ، كغيري، مصدومةً مما حدث وما حدث. الكثير من البكاء والأسئلة والمخاوف. الموت والدمار يتسللان، وأحاول الاعتناء بنفسي، وبمنزلي وعائلتي، وبالقرية، وبالطبع بالمعرض أيضًا.

في الشهر الأول من الصدمة، ذهبت إلى المعرض رغمًا عنيّ، وقد تملّك مني قلق شديد . شيئًا فشيئًا، بدأتُ أطور ذاتي. زرتُ مرسمًا فنيًا وبدأتُ أعبّر عن نفسي بالرسم، الأمر الذي أحبطني. بدأتُ أتصفح الإنترنت لأكتشف ما يحدث للفنانين وكيف يُعبّر بعضهم عن أنفسهم – بصمت، لفظيًا، وفنيًا – كلٌّ في سياق حزنه الداخلي.

بدأتُ أجمع معلومات مختلفة، على سبيل المثال، أسماء فنانين أحياء، وكذلك أسماء فنانين راحلين، والمعارض التي تضررت أو دُمرت، من حدود غزة وصولًا إلى قطاع غزة.

وماذا عن الفلسطينيين واليهود من جميع أنحاء إسرائيل؟ اكتشفتُ انفصالًا تامًا بين الفنانين أبناء الشعبين. شعرتُ بالخوف والحذر الشديدين في التعبير عن الذات لدى الفنانين الفلسطينيين نتيجةً للنظام العسكري الذي عدنا إليه. اكتشفتُ مواقف وتصريحات لم أتخيل يومًا أن تصدر عن هؤلاء الفنانين اليهود. “أين أصدقائي؟!” صرختُ بألمٍ شديد. التقيتُ بالطبع ببعض الفنانينوظللتُ على تواصل معهم على أمل أن يُعيدهم تخفيف القيود والتوتر إلى رشدهموقد تحقّق ذلك فعلًا لدى البعض منهم.

منذ افتتاح معرض “نحنُ وهُم”

المعرض التالي

تسببت الحرب المدمرة والمستمرة في تأجيل محتوى المعرض، وكذلك اسمه، وتغييرهما عدة مرات، إلى أن اتفقَ على إقامة معرض يُعبّر عن آثار الحرب على الفنانين وأعمالهم.

لديّ إيمان راسخ بأن المعرض سيسواصل نشاطه رغم كل شيء. لسنا متأكدين من موعد إقامة المعرض الجديد، وهذا أمر طبيعي. قد أتمكن من إقامة معرض لليهود فقط أو للفلسطينيين فقط، لكن لديّ شعور راسخ بأن الوقت غير مناسب لذلك: يجب أن نستمر معًا، خاصةً في ظل هذا الوضع المُعقّد للغاية.

الاجتماعات

بذلتُ وقتًا وجهدًا في التخطيط لاجتماع مشترك كان من المقرر عقده في نهاية تشرين الثاني. لكن هذا الاجتماع أُجّل في نهاية المطاف، ولم يُعقد. مع اقتراب شهر كانون الأول، خطّطت لاجتماع جديد – اجتماع مختلف، وإن كان متشابهًا في محتواه. نشرتُ الدعوة، لكن الاجتماع تأجّل مرة أخرى بسبب قلة المشاركين. تواصلتُ شخصيًا مع عددٍ لا بأس به، وأرسلتُ دعوةً شخصيةً لآخرين… وهكذا أدركتُ أن الوقت لا يزال مبكرًا جدًا. كنتُ أعلم أنهم في ظروفٍ أخرى، سيبدؤون بالعودة تدريجيًا إلى لقاءاتٍ مشتركة، ولكن ليس ضمن هذا العالم الفني. لا يزال الفنانون اليهود صامتين، أو يُعبّرون ​​عن أنفسهم بدافعٍ الصدمة والألم الناتجين عن السابع من أكتوبر، وبعضهم يفعل ذلك برقيّ وثبات شديدين . الفنانون الفلسطينيون صامتون، لا ينشرون نواتجهم، أو يُعبّرون ​​عن مشاعرهم تجاه هذه الحرب الأليمة برموزٍ أو لوحاتٍ تجريدية، وليس بشكلٍ مباشر، متجنبين بذلك تصوير الخراب والموت والدمار. قلةٌ قليلةٌ منهم على استعدادٍ للمخاطرة بالتعبير، بشكلٍ مباشرٍ وقوي، عمّا يحدث في غزة. إنهم يخشون الاستدعاء للتحقيق، ووصمهم بالأعداء.

ومع ذلك، من اللافت للنظر أن بعضهم عاد للمشاركة في معارض لفنانين يهود، تضم فنانًا عربيًا، أو العكس.

فنان يستضيف فنانين

بالتعاون مع صالة العرض للفنون في أم الفحم ، والتي تحظى بمكانة معتبرة لدة الجميع، سيُقام لقاءٌ لمشاهدة الأعمال المعروضة، ثم سننضم إلى مجموعات حوارية أحاديّة القوميّة بقيادة مُيسّر من مدرسة السلام، يليها نقاشٌ ثنائيّ القوميّة. آمل أن تُثمر هذه الفعالية عن المزيد من الأفكار للقاءات.

مدخل الجاليري هو الموقع الذي ستحدث فيه الأنشطة الافتتاحيّة وفعاليات المعرض.

المدخل

خلال هذه الفترة، في وقت بلغت فيه المشاعر ذورتها، سنفتح مدخل الجاليري، وسندعو الفنانين لمواصلة إنتاجهم الفنيّ الذي يزيّن مدخلها. الآن، من الضروري التركيز على هذا المكان، الذي يتحدّث عن نفسه، حتى بغياب المعارض. ربما تكون هذه إحدى الطرق لالتقاء الفنانين مجددًا، وجهًا لوجه، وبشكل مباشر.

التعمّق

كانت الفوضى تحيط بنا من كل حدبٍ وصول، وما زلنا جميعًا تحت أثر الصدمة لكنني أومن بأنّه لكل تجربة معنى، بما في ذلك الحزن والألم الشديد الذي نمر به.

لا نية للتأجيل لمجرد التأجيل. أريد إجراء تغييرات تتناسب مع الوضع الجديد ودائم التطوّر. إنّ إقامة لقاء يتمحور حول الأعمال الفنيّة أو حول أنفسنا يتيح المجال لإدارة نقاش مفتوح ؛ ويفتح نوافذ جديدة للوعي والفضول. مسؤولية السلامة النفسية تقع على عاتقنا جميعًا، ومسؤوليتي هي السعي لتحقيق النتيجة المرجوة. لن أستسلم؛ لكن عليّ التصرف بحكمة. ما زلتُ شغوفة بهذا المشروع المهم.

انطلقت هذه الجاليري بهدف إفادة الآخرين. وهي الآن بحاجة للترميم من أجل بقائها ومواصلة مسيرة عطائها.

قد يهمّك أيضًا

يناير 30, 2024
أخبار

انطلاق مشروع صحافة السلام

حتى قبل الحرب الحالية، كانت وسائل الإعلام الرئيسية متحيّزة وخاضعة للرقابة. في هذه المرحلة، حُظرت

ديسمبر 9, 2024
أخبار

نشرة الأصدقاء الألمان الشتوية

ألموث كونزي، عضو مجلس إدارة أصدقاء نيفي شالوم واحة السلام الألماني الجديد، يكتب عن اجتماع

مايو 20, 2024
أخبار

الناصرة بعيون مصوريها

كانت ديانا شلوفة-رزق قيّمةً ضيفةً على معرض صورٍ خاصٍّ في الناصرة بعنوان “الناصرة بعيون مصوريها”.

يونيو 22, 2024
أخبار

صمتٌ مدوٍ: واحة السلام بعد 7 أكتوبر

تنضم ماشا جيسن من مجلة نيويوركر إلى كريس هايز لمناقشة التغييرات في قرية

يونيو 17, 2024
أخبار

واحة السلام- نـڤي شالوم في”بيرسبكتيف ديلي”

تستكشف هذه المقالة تأثير الحرب على سكان واحة السلام، وما هي الدروس المستفادة التي يستطيع