هل توجد حقًا “صحافة سلام”؟ وماذا يمكننا أن نفعل لتغيير توجهات وسائل الإعلام الإخبارية التي يستهلكها الجمهور الإسرائيلي على مدار الساعة؟
لمناقشة هذا السؤال، جمع مشروع “صحافة السلام” عددًا من الشخصيات البارزة في وسائل الإعلام السائدة و”البديلة”، عبر تطبيق زووم مساء 30 تشرين الأول.
افتتحت اللقاء سماح سلايمة من واحة السلام – نـڤي شالوم، وهي مؤسِسة مشروع “صحافة السلام”، عقبها عرض فيلم قصير من إنتاجه بعنوان «السلام ليس كلمة قذرة». ويستخدم الفيلم أسلوبًا ساخرًا ليطرح سؤالًا مباشرًا: لماذا أصبح الحديث عن السلام أمرًا مُحرجًا إلى هذا الحد؟ (تلميح: لم يُجرَّم بعد، لكنه يبدو كذلك أحيانًا). بعد ذلك، عُقدت حلقة نقاش أدارتها الصحفية خلود مصالحة، بمشاركة د. أيالا بانييفسكي، الباحثة المتخصصة في الإعلام المستهدف، الشعبوية اليمينية، وتراجع الديمقراطية؛ محمد مجادلة، رئيس القسم الإخباريّ في إذاعة ناس ومحلل في القناة 12؛ وحغاي مطر، المدير التنفيذي لمنصة “محادثة محليّة” ومجلة +972، ومؤسس منتدى الصحفيين الإسرائيليين ضد الحرب.
تحدثت بانييفسكي عن أبحاث أُجريت خلال الأشهر الستة الأولى من الحرب، أشارت إلى عدد من الاتجاهات المقلقة. وذكرت أن وسائل الإعلام الإسرائيلية السائدة تعاني من “نقاط عمياء” في طريقة تغطيتها للأخبار، بينما تدّعي في الوقت نفسه أنها تنقل ما يريد الجمهور سماعه. وهذا يخلق حلقة مفرغة، حيث لا يُبدي الجمهور اهتمامًا كافيًا بالدمار في غزة أو في الضفة الغربية مثلًا، وفي المقابل لا تلتزم وسائل الإعلام بنقل هذه الحقائق الصعبة.
وأشار المشاركون الثلاثة إلى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب المهنية في العمل الصحفي، والتي يجب أن تشمل التحقق من المعلومات ومحاولة نقل أكبر قدر ممكن من الحقيقة بشكل موضوعي. وأعطى مجادلة مثالًا على كيفية تصوير الإعلام السائد لسكان غزة: إما كمؤيدين متطرفين لحماس، أو لاجئين بائسين يحملون ما تبقى من ممتلكاتهم، أو كـ”مؤيدين” لإسرائيل يريدون القضاء على حماس. وأوضح أن الصورة الحقيقية أكثر تعقيدًا ، وأن هذه الصور النمطية تغذي روايات ذات طابع ذاتي. كما أشار إلى أن الإعلام السائد أصبح جافًا في تغطيته، بل ومتردّدًا في بعض الأحيان، وأنه تلقى شخصيًا آلاف التهديدات بسبب ظهوره كمحلل فلسطيني-إسرائيلي في الإعلام العبري.
وكما هو الحال في أماكن أخرى من العالم، أصبحت الحقيقة نسبية، ويجد الصحفيون أنفسهم أمام تحدٍ أساسي يتمثل في الحفاظ على معايير الحقيقة.
أما مطر، فأشار إلى أن المنصات التي يديرها، والتي تهدف إلى إبراز أصوات وروايات لا تحظى بتغطية في الإعلام السائد، كانت في السابق تستقطب جمهورًا واسعًا، لكنها اليوم تُصنَّف على أنها “يسارية” بشكل مثير للشك. وذكر أنّ التحقيق الذي أجراه مؤخّرًا حول استخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة، لم يحظَ باهتمام الإعلام السائد، ولكنّه نشرَ في صحيفة “الغارديان”، وعندها فقط أصبح حظي باهتمام ملحوظ في إسرائيل أيضًا.
وقال: “نحن فريق صغير جدًا، بينما تمتلك وسائل الإعلام الأخرى مئات الصحفيين. كان بإمكانهم جميعًا القيام بذلك، لكنهم لم يكونوا مهتمين”.
ورغم قلة الطروحات العملية لكيفية خلق بيئة إعلامية أكثر نزاهة وشمولية، أكدت بانييفسكي أهمية الاستمرار في مخاطبة الإعلام السائد والجمهور الذي يستهلكه. وقد برزت اختلافات في الآراء حول ما ينبغي نشره أو حذفه، إلا أن الجميع اتفقوا في النهاية على أن المشكلة تكمن في تطبيق المعايير والرقابة بشكل غير متساوٍ.
وفي الختام، قال مجادلة إنه إذا أصبحت التغطية الإعلامية أكثر صدقًا وتوازنًا، وتم عرض جميع جوانب القصة، فقد يساهم ذلك في تمهيد الطريق نحو مستقبل أكثر سلامًا. وهذا، برأيه، هو تعريف “صحافة السلام”.




